العرض المرتبط
حصاد النار
الشيطان لا يُحاكم وحده
هل يُعاقَب المرء على أخطاء الآخرين؟ من يتحمّل نتيجة الظلم؟ هل بإمكان مشعل الفتيل السيطرة على الحريق؟ هل تكون الديكتاتورية القامعة نتيجتها الثورة والحرية أم الفوضى العارمة؟ شهد مسرح المعهد العالي للفنون المسرحية التابع لأكاديمية الفنون، ضمن فعاليات المهرجان العربي في دورته الحادية والأربعين، دورة الدكتور سيد خاطر، العرض المسرحي «حصاد النار»، دراماتورجي وإخراج محمد فريد، وهو في الأصل مُمصَّر من قِبَل إبراهيم الرفاعي عن مسرحية «مهاجر بريسبان» لمؤلفها جورج شحادة، وقد قُدِّم العرض بروح ورؤية جديدتين تعبران عن أفكار كامنة داخل كلٍ منا، حيث تتسلل الشكوك بسهولة إلى النفس الضعيفة، فتنكشف الخبايا لنرى أبناء إبليس وضحاياهم. تبدأ الأحداث بمشهد افتتاحي غنائي بين علي وشوق، وكان من الممكن تقديم مشهد افتتاحي يخدم دراما العرض بصورة أقوى، إذ اقتصر دوره على إظهار علاقة الحب بينهما، وهي علاقة كانت واضحة بالفعل في سياق الدراما، ثم ننتقل إلى حبيب، الذي يعثر على جثة رجل عائد من غربته قُتل ليلة عودته، وقد ترك وصية مفادها أن بحوزته حقيبة تحتوي على مليون جنيه لابنه غير الشرعي علي وأمه، لكنه قُتل قبل الإفصاح عن اسم الأم، لتشتعل بذلك شرارة الفتيل التي تأججت منها النيران.
تصل هذه الوصية إلى شيخ الغفر جمعة، فيجمع أهل البلدة ليقصّ عليهم ما حدث ويبدأ التحقيق، لنلمس من هذا المشهد كراهية أهل البلدة له، ثم يذكر أن عمر
الابن سبعة عشر عامًا، فتتجه الشكوك نحو امرأتين: عزيزة وثريا، لامتلاك كلٍ منهما ابنًا يحمل الاسم نفسه والعمر ذاته، تتصاعد شكوك الأزواج بسبب ماضي المرأتين؛ فثريا كانت راقصة، وعزيزة لم تكن بكرًا عند زواجها، وكان جمعة نفسه سبب ذلك. تدور التحقيقات دون نتيجة، فيستدعي جمعة عزيزة، ومن خلال هذا المشهد تنكشف قصتهما القديمة، ورغبات جمعة في السيطرة وامتلاك كل شيء، حتى تفصح عزيزة عن أن جمعة لديه هو الآخر ابن اسمه علي وبالعمر نفسه، فتنهار قواه العقلية، وتنهشه الشكوك تجاه طهارة زوجته هند، التي تُكنّ له الكراهية، تتجلى هذه الحقيقة من خلال مشاهد تتنقل بين الماضي والحاضر، حيث يتذكر جمعة إحراق منزل خطيب هند "حبيب" وقتل والديه بمساعدة غفيره نوفل، شقيق حبيب، وإجبار هند على الزواج منه مقابل إنقاذ حياة حبيب، فتتوعده بعمرٍ من العذاب، وكان ذلك هو مدخل الشيطان إلى عقل جمعة. في خطٍ درامي آخر، نرى عناني زوج ثريا، حيث يكون مدخل الشك أسهل بسبب ماضيها، يتجسد نوفل في مشهد شيطاني كمُوسوِس مسيطر، يقنع عناني بعفة زوجته، لكنه لا يمنع احتمالية الاستفادة من المال للعيش في حياة أفضل، يتأثر عناني ويعود إلى منزله، وخلال حديث ثريا عن تشابه ابنها علي مع والده في الطباع، يحاول إقناعها بادعاء أن علي هو ابن الغريب للاستيلاء على المال والهرب، ترفض ثريا وتحاول فضحه، فيخنقها حتى تفارق الحياة بين يديه دون أن يدرك ذلك، لتكون أنانية عناني هي حبل المشنقة لزوجته التائبة، فيعاقبها على خطايا الماضي، بينما يناله هو قدر اختياره.
أما عزيزة، فنشهد صراع زوجها بين ثقته وحبه لها، وبين ماضيها الذي لا يستطيع التغافل عنه، يقرر مواجهتها، فتحتويه ويَنتصر الحب والمغفرة على وساوس الشيطان. ينتهي صراع جمعة بقتل هند، بعد أن أدركت ما يدور في عقله من خلال حديثها مع الغفير رشوان، فتعمد إلى التلاعب به بعدم منحه إجابة حاسمة، فيستبد به الغضب ويذبحها، يدخل أهل البلدة ويمسكون به، وفي اللحظة ذاتها يدخل رجل وسيدة وشاب، لتعلن السيدة أن هذا الشاب هو ابنها علي، وأن زوجها الغريب ضلّ الطريق، فتتكشف الحقيقة، وتظهر الصدمة على وجوه الجميع، ويتضح أن الناجي الوحيد من دائرة الشك هو من أحب بصدق وقَبِل التوبة وأخطاء الماضي، فالحب لا يجتمع مع القمع والنقص، ومن أشعل النار لم يستطع السيطرة عليها فأكلته. لم تكن المجموعة بالكامل على نفس المستوى من الأداء التمثيلي فتراوح الأداء بين المعتدل والمبتذل والموفق كان أداء "محمد الغزاوي" موفقا وملما بطبيعة الشخصية من حيث المشاعر والبناء وكانت مشاهد الانتقال بين الماضي والحاضر واستخدام جانبي وجهه الجانب المتأثر من الحريق والآخر يحدث بسلاسة ليعبر أحدهم عن سعادته بالماضي وحبه لهند والآخر عن أثر الحريق والقهر كما قدم "أحمد يسري" أداءا موفقا يميل للاعتدال نظرًا لعدم توفيقه في مشهد قتل ثريا هذا الممثل بهذا القدر من الوعي كان بإمكانه أن نرى منه مشاعر التوتر والندم والصدمة والصرخة الصامتة بشكل أفضل، وقدمت "رنا خطاب" بدورها هند أداءا موفقا رأينا منه شعور القمع والتوسل للحصول على الحرية والتضحية حتى نصل للغضب والضغينة فكانت عيناها تعبر بمفردها عن نيران من الكره تجاه جمعة وأدائها الصوتي وهي تتحدث معه يقول بكل دفعة أكرهك، قدم "سمير عوض" شخصية بهلوانية في البداية لا تكترث لأمرها وتظنها أنها هنا للفكاهة فقط حتى نرى شيطان يتلاعب بعقول كل من حوله بحرفية شديدة لتنتبه له كيف ينتقل من لحظات الفكاهة إلى الخبث والشر المطلق، ومن الأداءات الموفقة كانت عزيزة التي قامت بها "دعاء الزايدي" وهي رمز لضحايا الظلم والغدر أحسسنا معها الصرخة الحرة فرغم أن ملامحها وأداءها كان صارمًا مع الجميع فائق الغضب مع جمعة إلا أننا رأينا اللين والرحمة وهي أمام بكر زوجها، أدَّاه"محمد علاء" رغم أن الأداء كان معتدل ولكن أفسده عدم إدراك الممثل للوقفات المسرحية فكانت أغلب المشاهد نراها بزاوية غير واضحة، فلا يظهر وجه الممثل بالتالي لا نرى تعبيرات وجهه، قام بشخصية رشوان "محمد سالم" بأداء يناسب طبيعة الشخصية، كما أدى "محمد البغدادي" شخصية علي ابن جمعة ومساحة هذه الشخصية من الأفضل أن تقدم بانفعالات هادئة عن ما كانت عليه لنرى التحول في مشهد الإعتداء على شوق بشكل واضح، ونرى"ميرنا فتحي" تقدم شوق بأداء سلس يناسب روح الشخصية التي تشبه العصفور الحالم ولكن يسيطر عليها الخوف من أن يكون الولد كأبيه حتى ينطفئ وهج العصفور بعد تأكدها من ظنونها فتشعر بأضعاف ما كانت به أمها عزيزة، وقدم"محمد فريد" شخصية جمعة شيخ الغفر بأداء متفاوت، فكان أحيانًا ما يناسب الحالة وأحيانًا مبتذلا، وفي لحظات مثل خوفه من إثبات شكوكه لم تصل الحالة بشكلها المطلوب كما يذكر له التوفيق في مشهد قتل هند لنرى هنا التيه والانكسار ورأينا من أدائه أنه ما كان انقلب السحر لو ما قد كان ما كان، ليختمه بانتصار ديكتاتوريته. ونسبة حضور الكيروجراف بالعرض ليست كبيرة فشاهدناها بمشهد القتال عن طريق "التحطيب" وبشكل موفق وأداء محكوم. صمم (باسم وديع) الديكور كما يناسب الطبيعة بصعيد مصر، لكنه لم يستخدم فراغ خشبة المسرح فنرى تكتل الديكور فى مساحة ضيقة، رغم أنه بإمكانه استغلال العمق بشكل أفضل مثال أن يجعل مكان "للجرن" بدلًا من الشجرة التي وضعت بلا فائدة فى منتصف المسرح فقط ليعلق أعلاها صورة الغائب ولحظات أخرى كشكل جمالي والذي أطلق عليها فى الحوار مسمى الجرن وهي لا تمت للجرن الصعيدي بأي صلة كما تم تصميم منافذ وأبواب تكشف ما خلفها كظلال عند انعكاس الإضاءة، فقط لاستخدامها بمشهد "السلويت" كان من الممكن استخدام حيلة أخرى أو استغلالها إخراجيًا بشكل أفضل. كما أدت الإضاءة دورها في خدمة دراما العرض وهي من تصميم (محمد حسن) بعض المشاهد مثل مشاهد القتل والشعور بالخطر ومشهد القتال (التحطيب) تعبر عن الحالة بألوان التوتر ما بين الأحمر والبرتقالي والبنفسجي واستخدم الأصفر بشكل صريح في مشهد قتل ثريا، وعن مشاهد المناجاة مثل مشهد
حديث حبيب مع السماء وأبويه كان ضوء أزرق خافت شكلت الإضاءة تلاحمًا مع الموسيقى ولعبت دورًا يساعد بشكل كبير في استيعاب الحالة. وشاركتهم الحالة الملابس تصميم (أميرة صابر) حيث احتوت طبيعة العرض وتغيرات كل شخصية فمثال شخصية هند ارتدت الأسود بعد زواجها من جمعة ليعبر عن خسارتها الشديدة فالعباءة السوداء بصعيد مصر تُلبس في الوفاة وحالات الحزن الشديد. وعنصري الغناء والتأليف الموسيقي (لأحمد نبيل) بجانب الأشعار لمؤلفها (ناظم نور الدين) لهم دور فعال في دراما العرض فكانت الحالة أشبه تقريبًا بالجوقة بشكل مختلف فعبروا عما يدور بالنفس الداخلية للشخصيات وكان في بعض الأحيان بهم رسائل ضمنية عن نهاية طريق الديكتاتورية والأنانية. المكياج موفق فكانت الحروق على وجه حبيب جيدة وتعبر عن شدة الحريق وكان استخدام المكياج لبقية الشخصيات ليعبر عن كبر السن أو حدة الملامح أو مكياج تجميلي فلا يؤخذ عليه لبساطته وملائمته لطبيعة كل شخصية. وإن تحدثنا عن الرؤية الإخراجية فكانت رسالتها واضحة ولكن هناك بعض الملحوظات في تنفيذ الرؤية فبعض الصور والأفكار كانت خاطفة للنظر ولكن ما فائدة هذا إن لم يتم استغلالها بالشكل الصحيح كما ذكرنا وتحدثنا عن "السلويت" لم يوفق التصوير البطيء "السلوموشن" فلم يكن هناك إحساس بديناميكية الحركة، وعدم توافق بين الممثلين في ضبطهم للإيقاع، كما أنه في بعض المشاهد لم يلتزم الممثلين بالبؤر ومن الواضح أنه لم يكن هناك توجيهات كافية لكيفية التعامل مع هذه الهفوات وفى أحد المشاهد الخارجية بين جمعة وهند وضعت كنبة بمنتصف المسرح دون تخفيف الإضاءة على ما خلفها مما أدى إلى الإهتمام بالشكل الجمالي للصورة فقط عن ما يخدم العرض ولم يكن هناك إهتمام باللهجة بشكلٍ كافي. وهنا أعاد لنا العرض المسرحي حصاد النار، مهاجر بريسبان برؤية جديدة تناقش الشك وأثر الفساد فى رحلة الحصاد وهذا بواسطة الرغبة في حل اللغز لنرى نهاية الأنانية والوفاء والنرجسية فى صورهم وأن الشيطان لن يكون بالجوار أثناء الحكم فقط أنت ونفسك وعندما يكون هناك أرض محملة بالالغام شرارة صغيرة تقلب كل الموازين فإن كثر الفساد إقتربت نهاية الفاسد.